مركز الثقافة والمعارف القرآنية

94

علوم القرآن عند المفسرين

قال بعضهم : الكلام في القرآن على ضربين : أحدهما يكون برواية ، فليس يعتبر فيها إلا النقل . والآخر يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة عن لسان العبد ، وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام على . وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربىّ ، والباطن هو مراد اللّه تعالى من كلامه ، وخطابه ، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر ، فصحيح . ولا نزاع فيه . وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم ، فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى . لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب ، فلا يكون ظنيا . وما استدل به إنما غايته ، إذا صح سنده ، أن ينتظم في سلك المراسيل . وإذا تقرر هذا فليرجع إلى بيانهما على التفسير المذكور بحول اللّه . وله أمثلة تبين معناه بإطلاق . فعن ابن عباس « 1 » : كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فقال له عبد الرحمن ابن عوف : أتدخله ولنا بنون مثله ؟ فقال له عمر : إنه من حيث تعلم . فسألني عن هذه الآية : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ « 2 » فقلت : إنما هو أجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعلمه إياه . وقرأ السورة إلى آخرها . فقال عمر : واللّه ما أعلم منها إلا ما تعلم . فظاهر هذه السورة أن اللّه أمر نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يسبح بحمد اللّه ويستغفره إذ نصره اللّه وفتح عليه . وباطنها أن اللّه نعى إليه نفسه . ولما نزل قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . « 3 » فرح الصحابة ، وبكى عمر وقال : ما بعد الكمال إلا النقصان . مستشعرا نعيه عليه السّلام . فما عاش بعدها إلا أحدا وثمانين يوما . وقال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ . . . « 4 » الآية . قال الكفار : ما بال العنكبوت والذباب يذكر في القرآن . ما هذا الكلام لإلّ فنزل : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها « 5 » فأخذوا بمجرد الظاهر ، ولم ينظروا في المراد . فقال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ

--> ( 1 ) صحيح البخاري في ص 65 - كتاب التفسير . 11 - سورة إذا جاء نصر اللّه . ( 2 ) سورة النّصر : الآية 1 . ( 3 ) سورة المائدة : الآية 3 . ( 4 ) سورة العنكبوت : الآية 41 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 26 .